سعيد عطية علي مطاوع

73

الاعجاز القصصي في القرآن

أنه التقابل في المسلك والحقيقة . . . تقابل النقيضين اللذين اختلفت بهما الطريق ، فاختلفت بهما خاتمة المطاف 105 . 1 - ومرة يكشف بعض السرّ للقراء ، وهو خاف على البطل في موضع ، وخاف على القرّاء وعن البطل في موضع آخر ، في القصة الواحدة . مثال ذلك قصة عرش بلقيس الذي جيء به في غمضة ، وعرفنا نحن أنه بين يدي سليمان ، في حين أن بلقيس ظلت تجهل ما نعلم : " فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ " ( سورة النمل من آية 42 ) فهذه مفاجآت عرفنا نحن سرها سلفا ، وهذه المفاجأة الضخمة لم تكن لتخطر على بال الملكة ولذلك جاء ردّها : " قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ " ( سورة النمل من آية 42 ) ، وهذا الرد لا ينفي ولا يثبت " ويدل على فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة . وهنا فجوة في السياق ، فكأنما أخبرت بسرّ المفاجأة ، فقالت : إنها استعدت للتسليم والإسلام من قبل . أي منذ اعتزمت القدوم على سليمان بعد رد الهدية . وكان سليمان - عليه السلام - قد أعد للملكة مفاجأة أخرى لم يكشف السياق عنها بعد ، كما كشف عن المفاجأة الأولى من قبل ذكر حضورها - وهذه طريقة أخرى في الأداء القرآني في القصة غير الطريقة الأولى : " قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ " ( سورة النمل : آية 44 ) . . لقد كانت المفاجأة قصرا من البلّور ، أقيمت أرضيته فوق الماء ، وظهر كأنه لجّة . فلما قيل لها : ادخلي الصرح ، حسبت أنها ستخوض تلك اللجة ، فكشفت عن ساقيها . فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها . . ووقفت الملكة مفجوءة مدهوشة أمام هذه العجائب التي تعجز البشر ، وتدل على أن سليمان مسخر له قوى أكبر من طاقة البشر . فرجعت إلى اللّه ، وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره ، معلنة إسلامها " مع سليمان " لا لسليمان ولكن " للّه رب العالمين " . وهكذا سجّل السياق القرآني هذه المفاجآت وأبرزها في أحداث القصة ، للكشف عن طبيعة الإيمان باللّه ، والإسلام له . فهي العزة التي ترفع المغلوبين إلى